عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
74
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
هائمين في محاتدهم ، فمن باهت حيره الجمال ومن ساكت ألجمه الجلال ، ومن ناطق أطلقه الكمال ، ومن غائب في هويته ، ومن حاضر في إنيته ، ومن فاقد للوجود ، ومن واجد في الشهود ، ومن حائر في دهشته ، ومن داهش في حيرته ، ومن دائب في فناه ، ومن آيب في بقاه ، ومن ساجد في عدم محض ، ومن عابد في وجوب وجود فرض ، ومن مستهلك في وجود ، ومن مستغرق في شهود ، ومن محترق في نار الأحدية ، ومن مغترف في بحار الصمدية ، ومن فاقد للأنس واجد للقدس ، ومن واجد للأنس فاقد للقدس ، تدهش الناظر أحوالهم وتهدي الحائر أقوالهم ، فملت إلى أكملهم مشهدا وأرفعهم منشا ومحتدا ، ميل متطلع لا ميل حائر متقنع . فقلت له : أيها الكامل القريب والروح الأقدس الأديب ، أخبرني عن حالك في مشهدك الحالك ، وحدثني عن رسمك وصرح لي باسمك ، فأعرض إعراض من جنح عن التصريح ، وأقبل إقبال المخبر الفصيح ، ثم جثا على ركبته انهمك في حيرته ، فسألته عن الحال ، فترجم ثم قال : لا تسأل عن الاسم فتنحصر في قيد الرسم ، ولا تتركه رأسا فينطمس حقك انطماسا ، ولا تلوي على الصفحات فتنحجب عن ربك بالسموات ، ولا تلوي عن الذات فتطلب العدم الرفات ، النفي كفران والإثبات خسران وهذان بحران والحق بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ « 1 » إن أثبتني أقمتني سواك وأن نفيتني حجبت عن حقيقة معناك ، وإن قلت إنك إني فأين فنك من فني ، وإن قلت إنك غيري فقد فاتك كل معنى في خيري ، وإن تحيرت فقد تفقرت ، وإن قلت بالعجز ، فقد فاتك وصف العز ، فإن ادعيت الكمال والغاية فأمرك في البداية لا في النهاية ، وإن تركت المجموع وقلت بالنوم والهجوع فهيهات فقد فاتك ما قد فاتك ، وإن قمت في ذاتك على عرش صفاتك فأين كمالك من كمالي وهل لك مالي ، وفي ذلك أقول : تحيرت في حيرتي مما هي * فقد حار وهمي في وهمه فلم أدر هذا التحير من * تجاهل قلبي أم علمه فإن قلت جهلا فأكذب به * وإن قلت علما فمن أهله فلكي هو الأعلى ومسجدي هو الأقصى ، وقد بورك حوله للوفود وعذب ماء منهمر للورود ، ومن سبح في بحري نظمته في نحري ، ومن ركب جوادي أقطعته بلادي ، ومن تعدّى حدّه وادعى ما لم يكن عنده مقته بدوام الحجاب ، وقلت :
--> ( 1 ) آية ( 20 ) سورة الرحمن .